الصالحي الشامي
459
سبل الهدى والرشاد
قال محمد بن عمر : فانصرف الرجل إلى هرقل فذكر ذلك له . فدعا قومه إلى التصديق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأبو حتى خافهم على ملكه ، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف ، وكان الذي خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعبئة أصحابه ودنوه إلى وادي الشام لم يرد ذلك ولا هم به . وذكر السهيلي رحمه الله تعالى : أن هرقل أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية - فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديته وفرقها على المسلمين . ثم إن هرقل أمر مناديا ينادي : ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه ، فدخلت الأجناد في سلاحها وطافت بقصره تريد قتله ، فأرسل إليهم : إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم ، فقد رضيت عنكم ، فرضوا عنه . ثم كتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا مع دحية يقول فيه : إني معكم ولكني مغلوب على أمري ، فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابه قال : " كذب عدو الله ، وليس بمسلم بل هو على نصرانيته " . ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على ذي البجادين رضي الله عنه روى ابن إسحاق ، وابن مندة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا : كان عبد الله ذو البجادين من مزينة ، مات أبوه وهو صغير فلم يورثه شيئا ، وكان عمه ميلا فاخذه فكفله حتى كان قد أيسر ، وكانت له إبل وغنم ورقيق ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الاسلام ولا يقدر عليه من عمه ، حتى مضت السنون والمشاهد كلها ، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة راجعا إلى المدينة ، فقال عبد الله ذو البجادين لعمه : يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدا ، فائذن لي في الاسلام ، فقال : والله لئن اتبعت محمدا لا تركت بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلا انتزعته منك حتى ثوبيك ، فقال : وأنا والله متبع محمدا ومسلم وتارك عبادة الحجر والوثن ، وهذا ما بيدي فخذه ، فأخذ كل ما أعطاه حتى جرده من إزاره ، فجاء أمه فقطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد وارتدى بالآخر ، ثم أقبل إلى المدينة فاضطجع في المسجد ، ثم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح ، فنظر إليه فأنكره ، فقال " من أنت ؟ " فانتسب له ، فقال : " أنت عبد الله ذو البجادين " ثم قال : " أنزل مني قريبا " فكان يكون في أضيافه ويعلمه القران ، حتى قرأ قرآنا كثيرا ، وكان رجلا صيتا فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته في القراءة ، فقال عمر : يا رسول الله ألا تسمع هذا الأعرابي يرفع صوته بالقران حتى قد منع الناس القراءة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " دعه يا عمر : فإنه قد خرج مهاجرا إلى الله تعالى والى رسوله " فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك قال : يا رسول الله . ادع الله تعالى لي بالشهادة ، فقال : أبلغني بلحاء سمرة فأبلغه بلحاء سمرة ، فربطها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -